شاومي تستقطب مهندسين من بي إم دبليو وبورشه
حملة التوظيف الأوروبية التي تقودها شاومي أوتو ليست مجرد جولة اعتيادية في سوق العمل. فهي تعكس انتقال شركات السيارات الصينية من صورة التصنيع منخفض الكلفة إلى استقطاب الخبرات التي بنت عليها العلامات الأوروبية الفاخرة تفوقها لعقود. ولا شيء غير أخلاقي في الأصل في توظيف مهندسين من شركة منافسة، لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول الخبرة إلى أسرار تجارية محمية.
ذكرت رويترز في 2025 أن شاومي استقطبت ما لا يقل عن خمسة متخصصين كبار، بينهم مسؤولون تنفيذيون لديهم خلفيات في بي إم دبليو، وذلك بالتزامن مع استعدادها لإنشاء مركز أوروبي لتطوير السيارات الكهربائية. وفي الوقت نفسه، كانت الشركة تبحث في ميونيخ عن مصممين ومهندسي ديناميكا المركبات، مع تأكيد خططها لبدء بيع السيارات خارج الصين في 2027.
وأفادت تقارير لاحقة بأن شاومي افتتحت مركزا أوروبيا للبحث والتصميم في ميونيخ، يضم فريقا من متخصصين سبق لهم العمل في بي إم دبليو وبورشه ولامبورغيني ومرسيدس بنز. وبحسب CarNewsChina، يقود المركز رودولف ديتريش، الذي شارك في مشروع BMW M4 GT3، بينما يشرف على ديناميكا المركبات كلاوس ديتر غ롤، وهو أيضا متخصص سابق في بي إم دبليو.
هذا يغيّر طبيعة مشروع شاومي في قطاع السيارات. فالشركة لم تعد تحاول دخول السوق اعتمادا فقط على ميزة الكلفة الصينية. بل تعمل على بناء فهمها الخاص لمفردات السيارات الأوروبية الفاخرة، مثل إحساس التوجيه، والتناسبات، وجودة المقصورة، والديناميكا الهوائية، ومصداقية الطراز الرياضي.
الخبرة ليست سرقة
هل هذا أخلاقي؟ من حيث المبدأ، نعم. الموظف لا يخص صاحب العمل السابق، ومن حق المهندس أو المصمم أو المدير التنفيذي أن ينقل مسيرته المهنية إلى مكان آخر. كما أن التوجيه الأوروبي للأسرار التجارية يميز بين الخبرة والمهارات التي يكتسبها الموظف بصورة مشروعة، وبين السر التجاري المحمي. واستخدام الخبرة ليس هو نفسه تسليم وثائق سرية أو شيفرة مصدرية أو عمليات إنتاج أو استراتيجيات منتجات خاصة.
قد تظهر المشكلات في ثلاث حالات. الأولى، عندما يوظف صاحب العمل الجديد شخصا ما ليس لقدراته، بل للحصول على معلومات سرية محددة. الثانية، عندما يأخذ الموظف معه ملفات تقنية محمية أو بيانات نماذج أو مواد تطوير. الثالثة، عندما تخالف الخطوة قيود المنافسة أو اتفاقات السرية.
ولا توجد حاليا معلومات متاحة للعامة تثبت وقوع أي خرق من هذا النوع. لذلك سيكون من الخطأ وصف نهج شاومي بأنه سرقة. والوصف الأدق هو أن شاومي تستخدم سوق العمل المفتوحة بصورة هجومية، وهي الآلية نفسها التي استفادت منها شركات السيارات الأوروبية لعقود.
شاومي تشتري الوقت بقدر ما تشتري المواهب
أكبر مكاسب شاومي ليست مهندسا بعينه، بل تقليص دورة التطوير. فالمواهب الأوروبية الرفيعة يمكن أن تساعد الشركة على فهم ما ينتظره مشتري السيارات الفاخرة بسرعة أكبر، مثل إحساس التوجيه، ومنطق دواسة المكابح، والتحكم بحركة الهيكل، وجودة مواد المقصورة، وعزل الضوضاء، والثبات عند السرعات العالية.
وتزداد أهمية ذلك في أوروبا، حيث لا تأتي الثقة بالعلامة التجارية من الشاشة أو البنية البرمجية أو رقم التسارع وحده. فشاومي تحتاج إلى أن تثبت قدرتها ليس فقط على صنع سيارة كهربائية سريعة، بل على تطوير سيارة تبدو مألوفة على الأوتوبان الألماني والطرق الجبلية في الألب وحلبة نوربورغرينغ.
هناك بالطبع مخاطرة. فثقافة الهندسة الأوروبية قد لا تنسجم بسهولة مع إيقاع التطوير السريع في الصين والضغط المستمر على الكلفة. وإذا استخدمت شاومي المواهب الأوروبية فقط كشارة تمنحها المصداقية، فسيبقى الأثر سطحيا. أما إذا نجحت في الجمع بين سرعة البرمجيات الصينية وديناميكا المركبات الأوروبية، فستصبح المنافسة أقل راحة بكثير للمصنعين الأوروبيين الراسخين.
المشكلة الحقيقية لأوروبا ليست توظيف شاومي للمهندسين
لن تخسر بي إم دبليو وبورشه ومرسيدس بنز خبراتها الفنية بسبب حملة توظيف واحدة. فميزتها لا تقوم فقط على أفراد بعينهم، بل على العمليات، وشبكات الموردين، ومعايير الاختبار، والقيمة العلامية، وثقافة هندسية بُنيت على مدى عقود.
ومع ذلك، فإن انتقال المواهب يظهر أن جزءا من الجدار الدفاعي الأوروبي بدأ يتصدع. فإذا استطاعت شركة صينية أن تقدم لمهندس ما سلطة أوسع أو دورة تطوير أسرع أو مشروعا أكثر طموحا، فإن وهج العلامة القديم لم يعد كافيا. وعلى شركات السيارات الأوروبية الآن أن تتنافس ليس فقط بصفتها شركات تصنيع، بل أيضا بصفتها جهات توظيف.
وتصبح هذه التحولات أكثر حدة في ضوء المشهد الأوسع. فبحسب استطلاع شمل شركات ألمانية في سلاسل توريد قطاع السيارات، يعتزم 72 في المئة خفض استثماراتهم في ألمانيا، بينما يخطط 49 في المئة لتقليص الوظائف هناك. وكانت رويترز قد ذكرت أن القطاع يواجه ضغوطا ناتجة من تراجع الطلبات، واحتدام المنافسة الخارجية، وارتفاع كلفة التحول إلى السيارات الكهربائية والبرمجيات.
المسألة الحقيقية ليست أن شاومي توظف مهندسين لديهم خلفيات في بي إم دبليو وبورشه. المسألة أن صناعة السيارات الأوروبية تخفض الإنفاق وتتباطأ وتدافع عن النموذج القديم، بينما يشتري منافسوها السرعة.